محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

72

الآداب الشرعية والمنح المرعية

المشهور ، وإن صح هذا الخبر فإنما هو في حق من أصيب في ماله فقابل ثواب المصيبة حق صاحب المال فلهذا خلص من تبعته في الآخرة بخلاف مسألتنا : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ سورة الكهف : الآية 49 ] . من أن الخبر لا يلزم منه سقوط المطالبة عن كل مدين وللّه سبحانه أن يتفضل بما شاء على ما يشاء من عباده ، ولأنه في الآخرة موسر مكلف فكلف بالخلاص من الحق كما لو أيسر في الدنيا ويساره إما بحسناته وإما بأن يحمل من سيئاته صاحبه عليه كما دل عليه الخبر الصحيح ، وبهذا يعرف ضعف القول بأنه من تكليف المحال وهو أيضا لزمه بفعله واختياره ، ودعوى أنه غير آثم إن أريد بوجه ما فممنوع ، وإن أريد به من بعض الجهات فيسلم ولكن لا ينتج الدليل ، وبسط القول في ذلك يطول وفيما ذكرنا كفاية إن شاء اللّه تعالى ، أما إن أنفقه أو أتلفه مسلم غير مكلف ومات معسرا غير مكلف لم يمكن القول بأن صاحبه لا يجازى عليه ولا أنه يتبع به غير المكلف لأنه يفضي إلى تكليفه ودخول النار بتحميله من سيئات صاحب المال . وقد نقل الإمام أحمد وغيره إجماع العلماء على أن من مات مسلما صغيرا من أهل الجنة ، فتعين أنه بمنزلة حرقه وغرقه ونحو ذلك من المصائب واللّه سبحانه وتعالى أعلم . فصل في براءة من ردّ ما غصبه على ورثة المغصوب منه وبقاء إثم الغصب " 1 " قال حرب سئل أحمد رضي اللّه عنه عن رجل غصب رجلا شيئا فمات المغصوب منه وله ورثة وندم الغاصب فرد ذلك الشيء على ورثته فذهب إلى أنه قد برئ من إثم ذلك الشيء ولم يبرأ من إثم الغصب الذي غصب ، وقال في رواية أحمد بن أبي عبيدة : أما إثم الغصب فلا يخرج منه وقد خرج مما كان أخذ ، وقال الشيخ تقي الدين لا يسقط حق المظلوم الذي أخذ ماله وأعيد إلى ورثته ، بل له أن يطالب الظالم بما حرمه من الانتفاع به في حياته . فصل قال بكر بن محمد عن أبيه عن أبي عبد اللّه وسئل عن رجل كان له على قوم مال أو

--> ( 1 ) ينبغي التنبه إلى أنه لا يجوز تأخير رد المظالم والحقوق ، بل يجب على الفور ، وكيف يحرم صاحب الحق حقه وقد يكون في أشد الحاجة إليه ، فالحاجة - أحيانا - قد تلجىء الأمين إلى السرقة ، والعفيفة إلى الزنا ، ثم يأتي الغاصب فيتصدق لهم بعد مماتهم ! وقد كان سببا في ارتكاب المحرمات ! !